8-9
الخطاط والرسام محمد شيال... للحرف أسراره
حاوره: صباح محسن جاسم
ومضة
محمد شيال سلمان ، مواليد 1948. قضاء المسيب- محافظة بابل ، العراق.
متزوج، عضو جمعية الخطاطين العراقيين. خريج معهد الفنون الجميلة، قسم
الخط والزخرفة عام 76-77 بدرجة امتياز.
تخصص سيراميك بأنواعه وفن الخط والزخرفة في العمارة الإسلامية. له عدة
مساهمات في المراقد الدينية والروضة الحسينية والعباسية والعديد من
مساجد جوامع العراق.
شارك في العديد من المعارض داخل العراق وخارجه في الخط والزخرفة.
يعمل حاليا مشرفا للفنون التشكيلية، مركز النشاط المدرسي- تربية بابل.
ينتمي إلى المدرسة البغدادية.
حلم
بمشروع تأليف كراس بسيط لتعليم الخط العربي والزخرفة الإسلامية.
مشغل ومشاغل
َمشغَله الصغير فاض لينتقل بجزئه المتنوع إلى داره المتواضعة. حين تدلف
إلى الدار يواجهك حشد من علب صغيرة لأصباغ ملونة ومتنوعة وفرش وقناني
زيت البارافين والكحول ومذيبات أخرى تربعت وسط جو من روائح زيتية
مختلفة الا إنها جميعا تمتزج لتشير إلى لوحاته وخطوطه بانحناءاتها
الغريبة المتساوقة المترابطة لتشكل ذلك الكون الجميل من أبجدية الخط
العربي ورياض من زخارف ومطهمات تضوع بالسحر والبهجة ، تنمو وتكبر وتزهر
بلوحات جذابة تعترش أسطح الجدران الداخلية لغرفة الطعام والمخزن وغرفة
الجلوس والحمام وغرفة النوم ومن ثم تندلق ما أن تفتح مصراعي الشباك
لتغمز من عند الجيران!
توسط علبه جالسا كصياد ماهر ماسكا ريشة يداري مدادها ويروح مصوبا تجاه
لوح مستطيل من الكارتون المقوّى مغمضا عينه اليمنى على عكس ما يفعله
الصيادون عادة وليرمي رميته التي لا تخيب أبدا.
البدايات:
جذبني تشكيل الحرف العربي فوجدتني أتابع من خلال زيارات أقوم بها بصحبة
بعض الهواة ، أيام الجمع والعطل لنمارس طقوس الخط لدى الفنان المرحوم
هاشم الخطاط في عمارة بن بنية – شارع الجمهورية . منها دخلت معهد
الفنون الجميلة ، قسم الخط والزخرفة.
واصلت التدريب ضمن نطاق معارض جمعية الخطاطين العراقيين والمعارض
القطرية للمدارس ضمن نشاط تربية بابل.
سافرت إلى القاهرة للإطلاع على الآثار والفنون المتوفرة هناك ومنها إلى
تركيا ، زيادة في المعرفة حيث الآثار الإسلامية والخطوط العربية التي
خلفها الخطاطون الأتراك.
شاركت في معرض الموصل وحصلت على الدرجة الثالثة على مستوى العراق.
أنا
من مشجعي الانطباعية الصرفة وأتمثل حضورها بالفنانين المبدعين – فائق
حسن ونزيهة سليم ونوري الراوي-.
اشتغلت في شركات القطاع الخاص آخرها – شركة بابل للكاشي الكربلائي منذ
عام 84 وحتى الوقت الحاضر.
ويبقى من أعمالي المميزة خطوطي على ( باب المراد ) في الروضة الكاظمية
، وصحن الحسين ع في باب الشهداء وواجهة جامعة بابل الدينية وزخرفة
القباب والخطوط والآيات القرآنية في جامع هلال الخضيري في بغداد وجامع
الرمادي الكبير.
ما
الذي أضافه الأستاذ هاشم الخطاط ؟
كنا
نهابه حين نزوره في بغداد ونحتسب لأيما هفوة منا خشية تعنيفه لنا. كان
صارما ودائما ما ينصح : تمرنوا .. أتعبوا !
لقد
تعلمنا منه فن صناعة الحبر وورق الترمة وقط القصب .. كنت الوحيد الذي
يقرض القصب في معهد الفنون.
زودني الأستاذ هاشم الخطاط بالخطوط الرئيسية للخط ومسارها الصحيح. كان
حريصا جدا ويهتم في أن يتعلم الطالب بنفسه من خلال الممارسة والتمرن
وصقله للحرف. كان حرفيا متخصصا بمهنة الخط ، يحبه بشغف.
أذكر بالنص ما قاله مرة " الخط بخير ما دام هنالك طلاب مجدين يأتون من
المسيب إلى بغداد حبا به".
أذكر طريفة مع المرحوم هاشم محمد البغدادي – أبو راقم- وكان يوم جمعة
على ما أذكر من عام 1969 حين عاث جرذ ٌ ببعض خطوط وتمارين المكتب.
فعزمنا على إيجاده والنيل منه. توزعنا –كل من كاظم الأستاذ وعصام علي
الصعب وحبيبي ابن عمي الخطاط خضير عبود سلمان ، الذي أعدمه الطاغية،
والخطاط روضان بهية .. وتم تطويق المكتب بحثا عن الجرذ. وقد وجد خضير
عبود في لام النسخ (تخريم على الخشب) خير سلاح سيما والنتوء المستدق
أعلى لام النسخ. وكانت هجمة واحدة وإذا بالمرحوم خضير يصيبه بالضربة
القاضية. فرح المرحوم هاشم الخطاط وكافأنا بعمل فنجان قهوة عُرف بفن
صناعتها. كان في كل مرة يستقبلنا فيما نحمل زوادة الطريق و " صوغه"
موعودة من " قيمر السدة" الشهير ، يستفزنا متفكها : " هل ما يزال جسركم
أعوجا ؟" فما كان يلقى منا سوى أجابتنا الوحيدة : هكذا وجدناه مذ ولدنا
!
الناس على دين ملوكهم
من
الذكريات اللطيفة أني تعرفت على خطاط يجيد الكتابة والحرف في الموصل
واسمه – عبد الله السنجاري – التقيته أثناء دخولي دورة الأشغال اليدوية
– بابل عام 1974. وقد زودني بنصائح وإرشادات خطية وحرفية أفادتني جدا
وخاصة في فن الزخرفة. لقد وجدت من خلال التجربة أهمية تبادل الخبرات
بين الخطاطين وذلك لما للحرف من أسرار من بينها استنباط حرف من حرف
آخر. فالحرف يجدد نفسه وينمو بفنية عالية سيما حين يلمس عاطفة
واهتماما. هنالك تجديد في إدخال الحرف العربي كحرف يأخذ صنعته
التشكيلية داخل اللوحة التشكيلية كعنصر جمالي مكمل. والخطاط قوامه في
كثرة ألمشق (التمرين) تحت إشراف أستاذ فالخط أساسا معاينة وممارسة
ذوقية.
لقد
غدا الحرف هاجسي اليومي ، عايشته ولي معه لغة خاصة يفهمها وأفهمه. صرت
أكتب الحرف يوميا. أشعر بولادته المتجددة ونضجه ونما هذا الحس حتى صرت
أتخيل ما أنشئه بتجديد وكأني أرعاه كما أرعى أبني العزيز.
الحرف يتأثر بفتراته الزمنية الحاضنة له. فكل فترة من الفترات
الإسلامية لها مميزات فنية خاصة.
ففي
العصر العباسي أدخلت ملامح الزخرفة الهندسية كما في واجهة الجامعة
المستنصرية حيث دخل أسلوب استعمال النجمات الثماني والسداسية في
الزخرفة العربية والإسلامية ومن ثم أدخلت الأساليب الهندسية والزخرفة
النباتية والتوريق.
من
ذلك نجد أسلوب التكرار والتقابل والتناظر والكتلة والفراغ . وهكذا بدأ
الفنان المسلم يملأ فراغاته باستعمال الزخارف النباتية لإظهار واجهة
المبنى بالصورة الأجمل كما نلاحظ ذلك في المدرسة المستنصرية الأثرية في
بغداد.
في
حين في الفترة العثمانية قفز الخط ليتربع على عرش السلاطين (سلطان سليم
الأول والسلطان عبد الحميد ) فكان السلاطين أنفسهم خطاطين يعشقون هذا
الفن الجميل والرفيع. ولا تزال الآثار موجودة في اسطنبول مثل جامع (
آيا صوفيا و طوب قبو ) مما يدلل على المحبة والرعاية للتراث الفني
العربي الإسلامي.
بعد
سقوط الدولة العثمانية جاء إلى العراق خطاطون من مثل ماجد الزهدي
وصبري الهلالي حيث درّسوا في معهد الفنون الجميلة عام 1947 . وقد تمخض
عن تلك الفترة ما يعرف الآن بالمدرسة البغدادية على يد هاشم الخطاط.
كان
منح إجازة خطاط تشترط أن يسافر الخطاط إلى خارج العراق. يصطحب معه
لوحاته المتنوعة كي تخضع لفحص من قبل خطاط أستاذ « يجيز وضع أسمه
تحت كتابته » . لذا فلا يجوز للخطاط غير( معمّد) من قبل أستاذ خطاط
كهؤلاء ، أن يكتب اسمه تحت خطوطه ، فتجدهم يوقعون باستعمال التعبير
(مَشَقـََه) .
لذلك بموت الأساتذة د. سلمان إبراهيم الخطاط ، وهاشم الخطاط فقد خسر
المهتمون بالخط كنزا ثمينا ومنهلا مهما للمعرفة.
على
أن أسماء أعلام الخط العربي والتشكيلي ما تزال حاضرة في الذهن من مثل
محمد سعيد الصكار وشاكر حسن آل سعيد.
تضاد وتواصل
هنالك من يعيش في الظلام يفخخ السيارات ويزرع العبوات الناسفة ليحصد
موت الأبرياء وفي الضد منه هناك من يعيش بحثا عن الحرف العربي والريازة
العربية، يهيم به ويرعاه ويؤنسنه. إن ما يمر به العراق من هجمة بدائية
متخلفة وشرسة تذكرني بهجوم المغول التتار وجنكيز خان وهولاكو. سبق وان
لونوا دجلة بلون حبر الكتب والمخطوطات وها هم يعودون ليلونوا دجلة
والفرات بعد إن جففوا الأهوار ، بلون الدم المراق للأبرياء من شعب سومر
وأكد وبابل وآشور وكأن لم يكفهم كل ما ارتكبوه من جرائم ومقابر
جماعية.
ما
أراه اليوم يفوق التصور. الموتورون يقتلون العقل الذي يفكر واليد التي
تخط الحرف ويفجرون الزخارف والخطوط والتراث ويحرقون المكتبات ودور
الكتب وكل ما يمت بصلة للحضارة العربية العراقية العريقة القدم منذ ما
يزيد على الستة آلاف عاما. لم يسلم حتى الأموات والآثار واللقى
الآثارية وكل ما يمت بصلة لأصولنا الحضارية الأولى.
وما
جريمة شارع المتنبي الآ واحدة من جرائم العصر منذ الغزو الهولاكي والتي
أتت ليس على الإنسان المثقف والعامل ونتاجه الثقافي من الكتب فحسب بل
حتى على النقوش والزخارف على واجهات البنايات القديمة ومداخل أبوابها
التراثية. حتى بعد ترميم هذه المناطق الشعبية فأنها ستفقد فنيتها
وأصالتها ذلك لأنها تحمل بعض من ارثنا الثقافي وأصالتنا التي ثلمت. رغم
كل ما جرى ويجري فلم يفوّت المبدعون يوما للحساب مترجمين تحديهم في
المباشرة بالبناء لإعادة الحياة إلى ناصيتها. فكما لم يجف ثدي أمنا
العراقية من حليب شمسها كذلك لم تجف مياه دجلة والفرات من مائها
القراح. لقد خُيل للجهلة الجبناء أن يراعنا قد سكت بتجفيفهم لحبر
أقلامنا، على أن القصب كله امتشق لنفسه مكانته التاريخية وعاد بخضرة
حياتية أعمق وأزهى. ما نراه ونعايشه الآن بعد انزياح كابوس الدكتاتورية
إن هو الآ زبد في جفاف. بسم الله الرحمن الرحيم " فأما الزبد فيذهب
جفاءً وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض" صدق الله العظيم.قبل أن
أودعه كنت أفكر بصوت عال وأنا أردد الحكمة التي بات يكررها " خير الناس
من نفع الناس". سبقتني رائحة الزيت والأصباغ عند عتبة الدار متماهية في
الذاكرة التي لم يفارقها وجه الفنان السمح وابتسامته الطافحة بالبـِِشر
ووضع عينه الغامزة كأنه يصوب إلى هدف جديد آخر!
************************************