15

قريباً من النبع... قراءات في اعمال شعرية عراقية

 (التعب المسافر.. صحوة المرسى الأول...)

 ريسان الخزعلي

 

(1)

*.. القصيدة التي تستطيل من تجربة حياتية/ نضالية تشم فيها ومنها رياح التاريخ...، وتجعلك تتحسس جسدك كي تطمئن على وجودك اولاً..، والوجود هنا ليس بالمعنى الظاهراتي، وانما هو قوة الانسجام الروحي مع التجربة قبل شكل هذه القصيدة وما تحتويه من "كمٍ شعري"...، وأرى ان الشاعر الكبير "الفريد سمعان" في مجموعته (التعب المسافر).. يتحسس جسده كثيراً، يتحسس وجوده، وبالتالي يتحسس انتظام تشكيله الروحي "الشعري في صحوة المرسى الاول" الذي لم يفارقه يوماً، وتلك علامة الشاعر، المناضل الذي ليس كسواه..، لأن الأطمئنان، والوثوقية بتجربة ما، يقاسان بالنتجية اولاً وبالبداية اولاً كذلك، ولأن المسافة بين هذين الحدين بالنسبة للشاعر "الفريد سمعان" هي المدى النضالي الشعري والشعري النضالي.. فان الانسجام الذي يقطفه، يضعه في مرتبة الوصف الأدق، وصف (الشعر والتجربة).، ولأنه في مدار متحرك باستمرار (مراحل في درب الألم، عندما ترحل النجوم، في طريق الحياة، الربان، قسم، المسلة، أغنيات للمعركة... الخ) فان الاشتباك الحسي الجديد (التعب المسافر) هو خطوة جديدة في هذا المدار..، خطوة في المرسى ذاته، والعزف هو العزف المنفرد ذاته..

(2)

.. إن هذه "الفردانية" تدير ظهرها بانتظام لكل "وعن" الطرقات الفنية التي يراها الشاعر دخيلة على تكوينه النفسي- الفني..، من هنا تكتنز قصيدته بالكم الشعري الذي يصنعه من التجربة وليس من التشكيلات الذهنية والمقاربات الفكرية والفلسفية المحنطة بفوضاها، لأن قصيدته تنشد تقدمها "من الحياة وفي الحياة" وبتماهي مع القول الشائع (النظرية رمادية  والحياة خضراء).. وبذلك تكون حتى رموزه متدفقة من هذه التجربة (الجواهري، المرسى، وضاح، الحسين، أم شروق، كردستان، الزنج وكوبا).

(الجواهري: سمعت صوتك مذهولاً.. تحاورني، صور من الماضي الجريح ولهفة الأنات تحمل شجو حمائم نقلت اليك سنابل الذكرى).

(المرسى: مرسى لأنغام الشموع، مرسى لشلال الدموع ولأذرع تعبى تمزقها المخالب.)

(وضاح: أنت.. يا سعدون.. يا وضاح، يا سعدون يا ألقاً توغل في أخاديد الوهاد، تحاورت فيه تباريح الشهادة والقداسة واحتوته رؤى السنين).

(الحسين: لم يزل سيفك يا سبط الرسول يجتث الظلالات على الرمل ينادي ضاعت الأنصار وامتدت على بيدر الصحراء أشذ المواسم.)

(أم شروق: أم شروق وسادة عمر مضيء تصرم تصرّم بين دوالي الوفاء.)

(كردستان: خذني اليها شمس كردستان التي مرت على هضابها مواكب المجد وصيحات الكفاح.)

(الزنج وكوبا: أراهن تبقى صواري القوافل من ثورة الزنج حتى صباحات كوبا.)

.. والشاعر حين يراهن ويعتد برموزه الشامخة..، لأنه شاعر تجربة ولأن (ذاكرة الايام لن تقوى على النسيان) وان تنوع الرموز هذه- والتي تجيء  بتجانس مع وعي الشاعر وتجربته- تعكس التجربة الانسانية له.. تجربة الصحوة والمرسى الأول..

(3)

.. في (التعب المسافر)..، تكون التسمية منزاحة عن استاتيكية "التعب" الآنية، ومرادفها "المسافر" صفة ديناميكية منحتها قوة انتباه [كيف يسافر التعب؟]..، ومرة اخرى يشيء الشاعر بعذاب التجربة وعنفوانها..، وبذلك يحيلنا الى نزاهة جرح النضال ولهيب الصحراء والسجن والحرمان الطويل، وتشع مفردات [النجوم- الخضرة- الماء- السراب-  العيون- القمر- الشاطي- الرفاق- الأزهار- العطر- الالحان- المسافة- الاحلام- الرحلة- الرعب النواعير] كأشارات شعورية ولا شعورية عن "تابوات" قديمة مستمرة صدمت إندفاع حياة الشاعر الفكرية والنفسية رغم الاصرار على جدوى الحياة والحلم الجميل بالانتصار.

*.. سنيناً..

لقد أرقتني طقوس العذابات

رافقني الجوع..

غادرت عش صغاري..

وطاف بواحات ذعري صهيل الخناجر

تحاول ان تستبيح مرافىء عرسي

وتنحت فوق جذوع التخاذل..

عطر حروقي..

ولكنني.. لم أزل وعدي

وما زال فوق سفوح الجراح اختياري

شراعاً يخوض.. يلوّح للجزر المقمرة..

(4)

.. لقد تمكنت قصائد (التعب المسافر) من تطويع التجربة الحياتية لما هو فني وبأتساق مع جماليات الشاعر الأثيرة في الوضوح وامتلكت جسوراً توصيلية الى "الآخر المهم" لأن واقعية الشاعر "الفريد سمعان"، وتماسه الحاد مع عصب الحياة هو النسغ الذي يديمه مع اعالي الاشجار.. (جذلى عناقيد النجوم، مرت على اهدابنا، تناثرت اصداؤها، حطت على برج المساء، وطوقت اذرعها بيت القمر).

 

************