14
مقتربات النص في النقد العراقي
عبد
الرضا جباره
منذ
امد بعيد والثقافة العربية لم تعط اجابة قطعية على السؤال الكبير الذي
يطرح والذي يمكنني ان اصوغه على الشكل التالي... لماذا المنهج؟.
ومن
الطبيعي انا لا اريد اعطاء صورة شاملة عن المنهج لانه موجود في مضامينه
العلمية ولا اريد ايضاً ان اجعل من قراءة النص... قراءة نموذجية
ووحيدة.
فالقراءات تختلف من قارئ الى اخر، والقراءة اصلاً هي نوع من الاجتهاد
الشخصي وكلما كانت الطرائق والنتائج مختلفة كانت ثرية ومجدية ونافعة
وكلما كانت احادية التوجه وضيقة كانت فقيرة وضحلة، انما اريد في هذا
الاقتضاب ان اثير الانتباه على جملة من الامور والقضايا لها ارتباط
بمعاينة النص الادبي عن طريق المقاربة المنهجية، وانطلاقا من ذلك سأطرح
مسألة العلاقة بين النص والمنهج في بعديها الثقافي- الفكري والعلمي وما
تستبعه تلك بعلاقة من اشكاليات بعضها مرتبط بالنص وبعضها الاخر له
علاقة بالمنهج والتصور الذي سأقدمه هنا لموضوع النص والمنهج هو تصور
تجريدي يكتفي بأثارة الجوانب النظرية من دون الارتكاز على الجانب
الاجرائي والتطبيقي، كما هو الحال في معظم الدراسات النقدية العربية..
فالتصور في هذه المحاولة لا يعتمد على اخضاع نص معين بطريقة في القراءة
بل هو اسهامة متواضعة لازالة ما تعالق في حقول النقد الشائكة لذلك
فأننا نجد ان مفهوم النص يأخذ معناه من سياق الحقل الثقافي العربي وما
كان يمثل في نظر القدماء –نصاً- ليس من الضروري ان يمثل في عصرنا نصاً
اما المنهج فهو الحقل الذي دار بشأنه اكبر واهم نقاش في الثقافة
العربية منذ مطلع القرن العشرين وان زخم هذا النقاش لا يعفي الناقد من
الحديث عن أي المناهج تصلح لدراسة النص الادبي وفي هذا السياق يجدر بي
ان اذكر بما قاله الدكتور طه حسين في كتابة "في الادب الجاهلي" وبالاخص
ما جاء على لسانه وهو يستعرض المناهج التي كانت تؤرخ للادب العربي
ومنها مناهج زيدان، والزيات، والرافعي، لقد قال طه حسين ما نصه "لا
ينبغي ان تخدعك هذه الالفاظ المستحدثة في الادب ولا هذا النحو من
التأليف الذي يقسم التاريخ الادبي الى عصور ويحاول ان يدخل فيها شيئا
من الترتيب والتنظيم فذلك كله عناية بالقشور والاشكال لا يمس اللباب
ولا الموضوع ومن خلال هذه المقولة تستطيع ان نقول ان طه حسين لم يكن في
تصوره للمنهج يختلف عن اصحاب المناهج السائدة في المبادئ المنهجية فحسب
ولا في صلاحية او عدم صلاحية تطبيقها ايضاً كما كان شأن الرافعي وانما
اختلافه كان مبعثة ان ما سمي بالمنهج عند هؤلاء لم يكن في حقيقة الامر
غير وجهة نظر لا ترقى الى مستوى المنهج ولا تمت بصلة الى الموضوع، ومن
هذه المداخل فقد كان للنقد العراقي مقترباته النقدية، ومعطياته في
دراسة النص، وعلى الرغم من حركة النقد او المشروع النقدي قد حقق
انفتاحاً منهجياً وخاصة في مرحلة المتغيرات الثقافية في منتصف
الثمانينيات، فان النقد العراقي قد عرف معظم المناهج منذ الستينيات فقد
عرف مؤلفات لوكاش المترجمة الى العربية ولوسيان جولدمان وكذلك مؤلفات
كارل يونغ ونور ثروب فراي لذلك وبناء على هذا الامتداد السخي فقد تمكنت
معظم المحاولات من تأسيس انساق شكلية وبنيوية منذ بحث نازك الملائكة
حول القصيدة الحرة، اما بعد الانفجار النقدي الحديث ووصول حداثوية
الرؤية النقدية في منتصف الثمانينيات الى مستويات متعددة فقد انقسم
النقد العراقي الى عدة مواقف، فمن النقاد من رفض هذه الحداثوية الوافدة
بوصفها انعكاساً للبنى الاجتماعية الاستهلاكية ورفض مقولاتها، وحاول
النقاد الذين تبنوا هذه المواقف الى احباط الوهم التأويلي والافتراضات
المنهجية وعلى هذا النحو تطرح مبادئ نقد متأصل في العمل معنى محتجز يجب
تحريره، ان العمل في حرفيته هو القناع البليغ والخادع الذين يتزين
المعنى به، معرفة العمل هي عودة الى هذا المعنى الجوهري والوحيد،
فالصعوبة الجوهرية وهذا ما جاء به علي جواد الطاهر.. وعبد الجبار عباس،
التي على النشاط النقدي بأعتباره مشروعاً عقلانياً ان يحلها هي انه لا
يمكن ان يعتبر ان موضوعه معطى له بشكل تجريبي فالنص كمعطى ليس مطروحاً
امامها في حدوده الظاهرة النصية.. وان ادراك هذه الحدود تقضي ليس
بأحلال بناء منهجي وانما في تحريكه في ذاته لاعطائه وضعاً عقلانياً لذا
لايمكن لهذه المناهج اذا لم تكن تريد الوقوع في الوهم المعياري الا ان
تنظر الى النص كما هو عليه وينبغي لهذه المناهج ان تمتنع عن ارادة
تغييره أي النص وتشكيل انساقه وتفسير ماهياته، وفق منطلقات تثقل كاهل
النص وتنميطه بأيديولوجية المحتمل، فالنص ليس هو الدلالة الحرفية وهو
لا يفرض معنى ولكنه يقترح معاني، ومن المواقف النقدية التي حققت منهجاً
تكاملياً للنص واحتكمت الى عدة طرائق هو منهج الناقد حاتم الصگر. فالنص
عنده هو الذي يقترح المنظور النقدي لاستجلاء مكنوناته وبمقدوري ومن
خلال استقراء اولي لمقتربات النص عند حاتم الصگر، انه يحاول الخروج من
دائرة الاوهام النقدية بأقتراح عدة مستويات بنائية فالعلاقة عنده تتم
بحسب تراتبية الاصعدة والمستويات وحسب محور البدائل.. ومحور الاقترانات
وكما لاحظ تنيانوف فان العنصر يدخل بالتتابع في علاقة مع سلسلة العناصر
المشابهة المنتمية لاعمال اخرى لها انظمتها الخاصة وقل مع اكثر من
سلسلة اخرى ومن جهة ثانية مع العناصر الاخرى لنفس النظام" وهناك اشارات
كثيرة في منهجية حاتم الصگر وخاصة في كتابه "الاصابع في موقد الشعر" أي
انه يعود الى النص ومعطياته فالعمل او ادبية النص تنجم في بعض دراساته
من الطابع اللامتجانس والمنضد للعمل الادبي فـ حاتم الصگر... يريد ان
يقول لنا، اننا كي نصف قصيدة وصفاً غنياً نحتاج الى الوقوف في مستويات
مختلفة "اصاتيه، ايقاعية، وزنية، مورفولوجية، تركيبية، معجمية، رمزية"
والاخذ في الاعتبار لعلاقاتها المترابطة ومن جهة اخرى، فان الدليل عنده
"السنن الادبي" خلافاً للدليل اللغوي ليس له بالتحديد الطابع المعوق..
فليس العمل منغلقاً على معنى بناءً على الوظيفة النقدية عند حاتم
الصگر، بل تستند ضرورة العمل على تعددية معانيه، وتمييز هذه التعددية
ينبغي اذن ادانة مسلمة وحدة العمل، او الخضوع الى نمذجة واحدة،
فالادبية والعمل بشكل عام ليس مخلوقاً عن قصدية انه منتج انطلاقاً من
شروط محددة "يمتلك كل مكتوب معنى" وقد يكون العمل مليئاً بالمعاني وحول
هذه المعاني يجب مساءلته، ومن هذه المداخل انطلق حاتم الصگر في دراسته
لأحدى قصائد السياب "جيكور امي" ولقصيدة "طوق الياسمين" للشاعر نزار
قباني.. ولقصيدة "خطوات" للشاعر حسب الشيخ جعفر فهو في قصيدة السياب
استفاد من "السيرة" كمنهج واعتبر القصيدة وثيقة تاريخية لانها كانت
الرديف التعبيري لتلك المرحلة التي عاشها السياب وبما ان السياب وفي
معظم انتاجه حقق تعالقا جمالياً مع الاسطورة ومأثوراتها الرمزية فأن
الصگر في دراسته لهذه القصائد كانت اسلوبية بناءه النقدي تعتمد على
المنهج الاسطوري او الطوطمي وكذلك عند دراسته لقصيدة نزار قباني فقد
استخدم منهجاً مغايراً في دراسته للسياب فالقصيدة هنا تستدعي منهجاً
اجتماعياً في منظوره يقول حاتم الصگر بصدد ذلك "لقد كانت مرحلة كتابة
طوق الياسمين متأججة سياسياً واجتماعياً وفنياً فهي مرحلة الانتقال من
طور التحرر الوطني في مسيرة الاقطار العربية التي شهدت نضوج الوعي
بالاستقلال والحرية وهي مرحلة الاصطدام اجتماعياً بين قيم متناقضة"...
ومن القراءات النقدية في المشروع النقدي العراقي هي قراءة الناقد فاضل
ثامر للنص وهي قراءة سوسيولوجية استكمل فيها الناقد جوانباً نظرية
متقدمة وخاصة في دراسته حول فؤاد التكرلي وهي استكناه للبنى الجمالية
والأيدولوجية ولا حاجة للتذكير بأن الدافع الاساسي الذي يجعل من الناقد
العراقي ان يستنجد ببعض المصطلحات الاجرائية من هذه المناهج هو بلا شك
عدم كفاية الدراسة الشكلية لاي نص ادبي مهما كانت علمية هذه الدراسة
فمن المعروف ان الناقد فاضل ثامر اعتبر قراءته النقدية "تضامراً جدلياً
للمنظورات والمقاربات الخارجية والداخلية السوسيولوجية والشعرية ثم
يشير الى ان رؤيته الجديدة هذه تلتقي مع المنهج البنيوي التركيبي او
التكويني وقع المنهج البنيوي الانشائي الذي يمثله كل من بارت وتودوروف
وجريماس لذلك جاء اختيار الناقد فاضل ثامر للمنهج السوسيولوجي في معظم
قراءاته... فهو منهج يصلح عنده لدراسة الآثار الادبية العربية من حيث
انه يحاول الاطلاع عن كثب على خصوصية الظاهرة الادبية كيفما كانت
تجلياتها "شعر... قصة رواية، فنون شعبية" ويعمل على تحديد الكيفية التي
يتم بها الانتقال من الظاهرة الجمعية "المجتمع" الى الانتاج الادبي
فالناقد فاضل ثامر سواء في دراسته "معالم جديدة في ادبنا المعاصر/ او
في دراسته الثانية/ مدارات نقدية/ يؤكد ان المنهج السوسيولوجي من جهته
في مجال الدراسات النقدية كفيل بأن يفكك ويضيء النص من حيث انه لا يبحث
فقط عن العلاقة بين مضمون الوعي الجمعي ومضمون العمل الادبي كما سارت
على ذلك المناهج الايديولوجية ولا بين الانساق الجمالية والمعرفة
الجمالية التي تتضمنها مصنفات علم الجمال والبلاغة والنقد وانما بين
البنى الذهنية التي تشكل الوعي الجمعي والبنى الجمالية التي تشكل
الاعمال الادبية والفنية... ان اهم ما جاء به المنهج السوسيولوجي عن
طريق غولدمان. او في المشروع النقدي العراقي هو التصور الجديد عن
العلاقة الجوهرية بين الحياة الاجتماعية والابداع الادبي.. هذه العلاقة
التي اصبحت تتعلق بالبنى الذهنية أي بالمقولات المنظمة للوعي التي هي
ظواهر اجتماعية لا فردية فتجربة الفرد الواحد كما يقول غولدمان هي
"تجربة اكثر ايجازاً.. واكثر تقلصاً من ان نقدر على خلق بنية ذهنية من
هذا النوع ولا يمكن لهذه الاخيرة ان تظهر الا عن النشاط المشترك لعدد
مهم من الافراد الموجودين في وضعية مماثلة" وبالاضافة الى هذه النظرية
الجديدة التي شكلت قطيعة من الاتجاهات النقدية السابقة اقامت
السوسيولوجيا جهازاً مفاهيمياً شاملاً لدراسة العمل الادبي. لقد حقق
النقد العراقي في كل اتجاهاته. وخاصة في السنوات الاخيرة استقواءاً الى
النص.. كخطاب.. وكبنية.. وبعض "النقود" نظرت الى النص بالاضافة الى
(الخطاب والبنية) نظرت اليه من زاوية الدلالة أي من زاوية كونه يشكل
بنية دينامية، وما يقصد من هذا المفهوم هو الوحدة بين العمل الادبي
وبين معناه وطابعه الجمالي، لان بنية النص تظهر اول ما تظهر من خلال
جمعها للاجزاء في وحدة متكاملة وبتاكيدها على مفهوم الكلية.. يتأكد ان
الواقعة الادبية وانساقها هي واقعة وانساق كلية ومن هنا كان التأكيد في
التحليل البنيوي التكويني على مفهوم الكلية، وقد اتضح ذلك جلياً في
دراسات فاضل ثامر ودراسات محسن الموسوي على الرغم من بعده عن التأثر
بالمناهج النقدية الحديثة كالشكلانية والبنيوية والسيمولوجية. يقول
الدكتور محسن الموسوي حول ذلك "الان يمكن ان نقول اننا تجاوزنا طريقة
النقد التاريخي التي اعتمدها الدكتور محسن طه بدر مرفدة بشكل او باخر
بوعي اجتماعي لمعنى ظهور الرواية حان لنا الان في مقالات متفرقة بشكل
او باخر تظهر في انحاء الوطن العربي ان نتحدث عن ظهور نزعات فعلية
للتعامل مع النص تعاملاً اكثر جدية، على اني مازلت اثير مختلف الشبهات
عما اسموه بالاساليبية او البنيوية لان اكثر الذين كتبوا فيها لم
يفهموا القضية فأربكوا النص وزادوا الطين بله وكتبوا ما اخل ولم يكتبوا
ما يفيد بعد" ان النقد العراقي في كل اتجاهاته لم يعد ذيلاً تابعاً
للاعمال الخلاقة بل انه اصبح ضرباً ابداعياً في الكتابة... انطلق من
مراكز الرؤية في الاعمال الخلاقة تفصيلاً وبحثاً ليسبغ رؤيته على
الواقع الثقافي. اقول في اتجاهاته المعروفة وليس "التخبط" على حساب
النقد الادبي بمعناه النظري والتطبيقي وهكذا استطيع ان اقول ان الكتابة
النقدية عندنا رغم ما اصاب بعضها من ورم نظري في قراءات بعض النقاد
الذين افترضوا ان "الكتابة النقدية" هي افتراض نظري مجرد ورغم ما اصاب
البعض الاخر من المجاملات التي لا تعني بالقارئ من قريب او بعيد...
اقول رغم ذلك وهو رأي متواضع جداً ان فيها من الصدق والتجاوب ما ساهم
في بلورة المشروع النقدي العراقي وتخليص الظاهرة النقدية من الفوضى
المنهجية.
المصادر
1-
طه حسين/ في الادب الجاهلي/ ط1/ دار المعارف/ 1969/ ص93.
2-
تنيانوف/ "في اصول الخطاب النقدي الجديد" ص123.
3-
حاتم الصگر الاصابع في موقد الشعر/ دار الشؤون الثقافية/ بغداد/ ص300.
4-
خطوات الموت في ذاكرة الشاعر/ جريدة الجمهورية/ 26 1978.
5-
مدارات نقدية/ فاضل ثامر.
6-
نزعة الحداثة في القصة العراقية/ 1984/ ج1.
*****************