مسرح الطفل/ خطاب اللون

 حميد عبدالمجيد مال الله
اللون علامة مادية، معجمياً حسب (مختار الصحاح) اللون: هيأة كالسواد والحمرة. وفي قاموس (المورد) Color or colour مظهر خارجي: مظهر يُشعر بامكانية الوقوع، ومظهر يغري بالتصديق- وهو كما الصوت لهما صفة مشتركة هي (التردد) الا ان التردد فيه عند مضاعفته يصدر اللون نفسه، عكس الصوت الذي يحتل مساحة اعلى في مجاله. ان المحاولة الاولى لربط الصوت باللون تعود الى (بطليموس من القرن الثاني قبل الميلاد). ويشير الاستاذ رياض الفؤادي في (مدخل الى الموسيقى) الى المؤلفين الذين ربطوا بين الالوان والسلالم الموسيقية، ومنهم بيتهوفن ورمسكي كورساكوف، وسكريابين وغيرهم. كل لون يعني سلماً معيناً، مثل سلم دوميجر، أي العجم في موسيقانا العربية يوحي عند كورساكوف باللون الابيض وهكذا. للالوان دور اساسي في حياتنا، ولها تأثير على حالة الطفل البدنية والنفسية والعقلية. ورغم مرور اكثر من (150) عاماً على بدء دراسة تأثير الالوان على الانسان، لايزال الموضوع في طور الاستكشاف البطيء. يشير الفنان جون هانز ابتوين الى ان الالوان زهو الحياة، وان عالماً بلا الوان هو الموت بعينه. انه مؤثر بصري فاعل في الارسال والتلقي، لانه يتميز بحضور –ما قبل التعبير- لارتباطه بدلالات مسبقة تتطلب الدقة في تشخيصها، ودراسة تأثيرها حين استقبالها، واتباع اساليب لا مألوفة تكسر اعتياديتها، بالافادة من رغبات الطفل، للاحساس بما يماثل المهرجان اللوني (الصارخ والدافيء والمضيء والصريح والممتزج) ذلك لان اللون حسب رأي الدكتور حسين البدري (...مهد لظهور وخلق لغة جديدة للتعبير عن مضامين اجتماعية ونفسية وفنية لم تكن مألوفة سابقاً..) في بحثه (سيكولوجية الالوان) يقترح الاستشاري النفسي أ. فراس عبدالامير (..ان مظهر الالوان له تأثير عاطفي واضح عند الاطفال، فالطفل يفرح بالالوان الاساسية ايام العيد كالازرق والاحمر والاصفر وذلك للزينة والبهرجة، وتضمين حاجة غير اعتيادية في نفس الطفل..) ويشير ايضاً (..للألوان التي تعتاد عليها عين الصغير تأثير كبير على ملامح شخصيته فيما بعد.) وبالافادة من بحث د. البدري فان للالوان دلالات اجتماعية وجمالية فالاصفر كمثال مقارب للون الارض تشكلا اً كبيراً من جغرافية بلادنا هي لون التربة الرملية، وهذا ما ينعكس على ذائقة الكثيرين في اختيار اللون (البيجي) المقارب في العديد من الاستعمالات، وهو اصغر فاتح يدل على (الرفعة والشموخ) في تضاد مع الغامق الذي يدل على (اللؤم والشؤم). الأزرق لون السماء غالباً معظم فصول السنة هنا، من الألوان الهادئة، ويدل على السلام والسماح، والمجد والارادة والثراء، والاخضر لون الغطاء النباتي لأرضنا، يؤشر الخصب والتجديد والحياة والفرح والنهضة والثبات والصلابة، كما يهديء الاعصاب، ويثير ويسرع عملية التنفس. والاحمر دلالة الحب والسعادة والهيام والحيوية والدفء. ووفقاً لبعض التجارب وجد أن اللون الوردي يخلص الاطفال في سن الروضة من المشاكسة والفوضى. كما ان الماروني يدل على الاستقرار والمحافظة. ويعد البنفسجي من الالوان الباردة فيزيائياً ونفسياً، الا ان الداكن منه يثير الحزن، بينما الفاتح يجلب الهدوء. اما الطيف الشمسي (الابيض) فيدعي باللون الغائب، ومن ايحاءاته العديدة: النقاء والوضوح والنظافة والصراحة، ويدل على السلام والنور. الا انه يأخذ مكانة الأسود عند بعض الشعوب الاخير لون الحزن عندنا، كما يدل على الهدم والعنف، كذلك الرمادي دليل عدم الحيوية واليأس. واذا كانت الالوان الدافئة توحي بالتقارب، فان الباردة توحي بالتباعد لذا تدعي بالالوان الخلفية. ان التعرف على الخصائص اللونية لا يعني اخضاعها للتعقيد الجامد، بل لجعل الخطاب اللوني خارج التعقيد، لأن مفرداته نسبية في المسرح، تبعاً للحالة النفسية والعقلية، وحتى المهنية للشخصية المسرحية. فاذا كان الفاتح للفرح والخير، فان الالوان الحارة (الاحمر والبرتقالي) قد تمثل حالة صراع نفسي وصرخات مكبوتة مثلاً.. فانجذاب الطفل (المتلقي) الى جمالية المرئي معقد مشتبك ومتشابك! ما بين الدلالة اللونية، ودلالاتها الاجتماعية، وتعبيريتها داخل عالم (فضاء المسرحية) الخاص كعالم اخر متخيل. يشغل اللون المساحة الاكبر من الفضاء المسرحي، سواء في المرئيات المصممة أم الاخرى السابقة للتصميم، وهو ما يجب أن يؤخذ بعين الاعتبار في مسرح الطفل، لأن الاخير مدقق ونبه تجاه الموجودات، فالمرئيات المصممة تابعة للعرض المسرحي وتشمل الالوان المنبعثة من التقانات الضوئية (الانارة) المتغيرة، والالوان شبه الثابتة للتأثيث المكاني، والاكسسوار، والديكور والمعلقات والازياء، والأقنعة، والوان الشعر، وماكياج الوجه، والماكياج- القناع، والاقنعة النصفية والكلية التي تغلف الابدان بكاملها للشخصية البشرية والحيوانية والنباتية والشيئية والخرافية المتخيلة، وهي الوان جمالية وحرفية وتزيينية تتطلب عناية فائقة كما اللوحات التشكيلية، وطبقاً لاراء بعض النقاد فان المناظر المسرحية تماثل لوحات تشكيلية متحركة- متغيرة بممثليها وسينوغرافيتها، تتفاعل مع خطاب لوني سابق للتعبير، مصدره ذاكرة المتلقي- الطفل، من حصيلته المعرفية السابقة وتخيلاتها. الوان النوع الآخر من المرئيات –خارج التصميم- وتسمى دعامات المسرح فتتميز بالثبات؛ كما الأرضية "القاعدة" والأعلى والجوانب، واخرى متحركة، مثل الستارة والكواليس، مما يتطلب مراعاة الوان التصميم وتأثيرات الوان الدعامات فيها. المعلومات السردية يمكن ايصالها بوسائل بصرية، ومنها اللون، فنظام الالوان ودلالاتها يضفي جاذبية وحيوية مشوقة للفضاء في ايصال الشفرات للمتلقي- الطفل. نقلة تطبيقية للتعرف على العلامات اللونية ومشيراتها في نصوص مطبوعة (كتب) من خلال (ارشادات الكاتب/ تعليمات النصيص/ النص الثانوي اللاحواري). في مسرحية (انكيدو) للاستاذ طلال حسن، والذي كتب بغزارة لمسرح الطفل، ترد الملاحظات التالية: ظلام، ضوء، مسقى مائي، أشجار، أزهار، نار، زهرة نرجس، كمأ، ربيع، برية، حيوانات برية، ثلج، جردل، غرفة قصر جلجامش.. اضافة الى تكرار مفردات لونية في الحوار عن حيوانات مدجنة.. الارشادات موجزة جداً كما أرى في نص كم 92 صفحة، (أنكيدو) من منشورات اتحاد الكتاب العرب- دمشق 1999). (القنديل الصغير) تأليف الاستاذ علي مزاحم عباس، فيها الملاحظات التالية: قصر ملكي شرقي السمات، مداخل وشبابيك وأعمدة بزخارف ونقوش، صندوق بنقوش جميلة، منديل، وسادة، وصية ملفوفة بشريط حريري. نافذة مفتوحة يبدو من بعيد جبل شاهق وعر المسالك، خلفه قرص الشمس فجراً.. أشعة خافتة، شموع، ظلام، نظام اللون ضئيل في نص من 53 ورقة، (القنديل الاخضر- دار الشؤون الثقافية- بغداد 1991). مسرحية (قنديل علاءالدين) لساشاليخي، ترجمها (بتصرف) الفنان سليم الجزائري، بارشادات مختزلة جداً هي خيمة باعمدة ملونة يحدد أرضيتها بساط، نار تحت دلال، حديقة، شجرة كبيرة مورقة، ظلام، شموع، (قنديل علاءالدين- 93 صفحة- دار ثقافة الاطفال- بغداد 1987) ومثلها مسرحية (القبعة الحمراء: ليلى والذئب) ليفجيني شفارتز ترجمة محمد خضور، فيها العلامات اللونية التالية: بيت ريفي وسط غابة، أدغال، أعشاب، مستنقع، زهور، نخلات، عدد من حيوانات الغابة (القبعة الحمراء- ملحق مجلة فنون- العدد 68- 1979) تسرعي الملاحظة السابقة على النصين المسرحيين التاليين (فوفووفافي وسيدة المنزل) و(الفاكهة الطيبة) للويجي بونيللي ترجمة عبدالله جواد، ففي الاولى تنحصر في مزهرية بديعة بورود اصطناعية واخرى بنباتات مورقة، وضمنياً لون القردين، المسرحية في فصل واحد 16 صفحة. المسرحية الثانية نظام اللون ضمني، فلا وجود لارشادات، ويستنتج من الوان الشخصيات الحيوانية والخيالية، والبيئة والمنتجات النباتية. (الفاكهة الطيبة- 38 صفحة- دار ثقافة الاطفال- بغداد 1981). مسرحية (الفصول الاربعة) تأليف س. مارشاك ترجمة نعيم بدوي، فيها نظام لوني تفصيلي يشمل الوان بيئة ثلجية، وعدد كبير من حيواناتها ونباتاتها، مع شخصيات خيالية تمثل أشهر السنة، وتوصيف للازياء والاشياء والحيوانات، كما: رأس ذئب اغبر اقرب الى البياض، فتاة بوشاح رث وسترة عتيقة، كانون الاول بمعطف فرو مخطط بالبياض، سبورة إطارها ذهبي، سلة بازاهير النرجس والخزامى والسلجية والكوبية... عجوز شريرة تصير كلبة سوداء، بدلات مطرزة بالفضة، احذية فضية، ملابس ملونة براقة... شعاع شمس، قمر، نار مدفاة و... (الفصول الاربعة- 143 صفحة- دار ثقافة الاطفال- بغداد 1985) وضمن العينة التي اخترتها، تزخر مسرحية (الطائر الازرق) بنظام لوني باذخ ساحر، شامل للكليات والجزئيات: البيئات المنوعة، والمكان المسرحي، وازياء لمخلوقات خيالية وشيئية، وتوصيفات تفصيلية للاشياء، فستارة المسرح مثلاً تمثل غيوماً جميلة، وشجر البلوط بهيأة رجل متوج بنبات طفيلي، برداء طويل اخضر اطرافه من طحلب وأشتات لحية بيضاء.. وملائكة يرتدون ملابس من ظلال رقيقة ناعمة تومض بضياء خفيف.. أطفال يرتدون ثياباً طويلة لازوردية، قاعة قصر لازوردي باعمدة من ياقوت تسند أقواساً فيروزية.. طيور زرقاء خيالية؛ اكاليل زهور، سفينة باشرعة بيضاء وذهبية، ضباب فجر وردي... (الطائر الازرق) موريس ميترلنك ترجمة عبدالخالق ثروت- دار ثقافة الاطفال- بغداد 1987). اللون لغة سيميائية تربط بين مبثوثات فضاء المنصة، وبين حاسة البصر تسهم في اغناء الجانب المعرفي، لعقول الاطفال، والجانب الجمالي الذي يستكشفه الحدس.